الغزالي
520
إحياء علوم الدين
ومثال العاصي إذا قرأ القرءان وكرره مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه ، فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت . ولذلك قال يوسف ابن أسباط : إني لأهم بقراءة القرءان فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والاستغفار . والمعرض عن العمل به أريد بقوله عز وجل * ( فَنَبَذُوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا به ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) * « 1 » ولذلك قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « اقرؤا القرءان ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرؤنه » وفي بعضها ( فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْه ) قال الله تعالى : * ( الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * « 2 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ أحسن النّاس صوتا بالقرءان الَّذي إِذا سمعته يقرأ رأيت أنّه يخشى الله تعالى » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « لا يسمع القرءان من أحد أشهى منه ممّن يخشى الله عزّ وجلّ » فالقرآن يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به ، وإلا فالمئونة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة . ولذلك قال بعض القراء : قرأت القرءان على شيخ لي ثم رجعت لا قرأ ثانيا فانتهرنى وقال : جعلت القرءان علىّ عملا ، اذهب فاقرأ على الله عز وجل فانظر بما ذا يأمرك وبما ذا ينهاك . وبهذا كان شغل الصحابة رضي الله عنهم في الأحوال والأعمال ، فمات رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] عن عشرين ألفا من الصّحابة لم يحفظ القرءان منهم إلَّا ستّة
--> « 1 » آل عمران : 187 « 2 » الأنفال : 2